أبو علي سينا

244

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وأما الأمراض الحادة فإن بحرانها قريب ، ونرجو أن لا يخون القوة قبل انتهائها ، فإن خفنا ذلك ، نبالغ في تقليل الغذاء ، وكلما كان المرض فيها أقرب من المبتدأ والأعراض أمكن غذاؤنا مقوين للقوة وكلما جعل المرض يأخذ في التزايد وتأخذ الأعراض في التزايد قللنا التغذية ثقة بما أسلفنا ، وتخفيفاً عن القوة وقت جهاده ، وعند المنتهى نلطف التدبير جداً . وكلما كان المرض أحد والبحران أقرب ، لطفنا التدبير أشد ، إلا أن تعرض أسباب تمنعنا من ذلك كما سنذكره في الكتب الجزئية . وللغذاء من جهة ما يغذى به فصلان آخران هما : سرعة النفوذ كحال الخمر ، وبطء النفوذ كحال الشواء والقلايا ، وأيضاً نحو قوام ما يتولد منه من الدم واستمساكه كما يكون من حال غذاء لحم الخنازير والعجاجيل ، أو رقته وسرعة تحلله كما يكون من حال الغذاء الكائن من الشراب ومن التين . ونحن نحتاج إلى الغذاء السريع النفوذ إذا أردنا أن نتدارك سقوط القوة الحيوانية وننعشها ولم تكن المدة أو القوة تفي ريث هضم الغذاء البطيء الهضم . ونحن نتوقى الغذاء السريع الهضم إذا اتفق أن سبق غذاء بطيء الهضم ، فنخاف أن يختلط به فيصير على النحو الذ سبق منا بيانه . ونحن نتوقّى الغليظ عند إيقاننا حدوث السدد ، لكننا نؤثر الغذاء القوي التغذية البطيء الهضم لمن أردنا أن نقويه ونهيئه للرياضات القوية ، ونؤثر الغذاء السخيف لمن يعرض له تكاثف المسام سريعاً . وأما المعالجة بالدواء فلها ثلاثة قوانين : أحدها : قانون اختيار كيفيته ، أي اختباره حاراً أو بارداً أو رطباً أو يابساً . والثاني : قانون اختيار كميته ، وهذا القانون ينقسم إلى قانون تقدير وزنه ، وإلى قانون تقدير كيفيته ، أي درجة حرارته وبرودته وغير ذلك . والثالث : قانون ترتيب وقته . أما قانون اختيار كيفية الدواء على الإطلاق ، فإنما يهتدي إليه بالوقوف على نوع المرض ، فإنه إذا عرف كيفية المرض ، وجب أن يختار من الدواء ما يضاده في كيفيته ، فإن المرض يعالج بالضدّ والصحة تحفظ بالمشاكل . وأما تقدير كميته من الوجهين جميعاً ، فيعرف على سبيل الحدس الصناعي من طبيعة العضو ، ومن مقدار المرض ، ومن الأشياء التي تدل بموافقتها وملاءمتها التي هي الجنس والسن والعادة والفصل والبلد والصناعة والقوة والسحنة . ومعرفة طبيعة العضو تتضمن معرفة أمور أربعة : أحدها : مزاج العضو ، والثاني : خلقته ، والثالث : وضعه ، والرابع : قوته . أما مزاج العضو : إنه إذا عرف مزاجه الطبيعي وعرف مزاجه المرضي ، عرف بالحدس الصناعي أنه كم بعد من مزاجه الطبيعي ، فيعرف مقدار ما يرده إليه ، مثاله إن كان المزاج الصحي بارداً والمرض حاراً ، فقد بعد من مزاجه بعداً كثيراً ، فيحتاج إلى تبريد كثير . وإن كان كلاهما حارين كفى الخطب فيه بتبريد يسير . وأما من خلقة العضو : فقد قلنا أن الخلقة على كم معنى تشتمل ، فليتأمل من هناك . ثم اعلم أن من الأعضاء ما هو في خلقته سهل المنافذ ، وفي داخله أو خارجه موضع حال ، فيندفع